محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

159

بدائع السلك في طبائع الملك

كانت هذه التعبئة أيام الدول القديمة لكثرة جنودهم وحشودهم من قاصية النواحي ، وذلك موجب لجهل بعضهم لبعض ، كما تقدم . قال ابن خلدون : « وكان في الدولة الأموية بالأندلس كثير منه ، وهو مجهول فيما لدينا لأنا انما أدركنا دولا قليلة العساكر ، لا تنتهي في مجال الحرب إلى التناكر ، بل أكثر الجيوش من الطائفتين يجمعهم لدينا حلة أو مدينة ، ويعرف كل واحد منهم قرنه ، ويناديه باسمه ولقبه ، فاستغنى عن تلك التعبئة » « 242 » . تكميل : مما ذكروا من صفة هذه التعبئة صورتان : الصورة الأولى : قال الطرطوشي : أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا في صفة اللقاء ، وهو أرجى تدبير في ذلك أن يتقدم الرجالة بالدرق الكاملة ، والرماح الطوال والمزارق النافذة ، فيصفوا صفوفهم ، ويركزوا مراكز رماحهم خلف ظهورهم في الأرض ، وصدورها شارعة إلى العدو ، جاثين على ركبهم اليسرى ، وترسهم قائمة بين أيديهم ، وخلفهم الرماة الخارقة سهامهم للدروع ، والخيل خلفهم . فإذا جاء العدو ، لم يتزحزح الرجالة عن هيئتها ، ولا قام واحد منهم على قدم ، وإذ قرب رشقتهم الرماة بالسهام ، والرجالة بالمزارق وصدور الرماح تلقاهم ، فيأخذون يمنة ويسرة ، فتخرج خيل المسلمين فتنال منهم ما شاء الله « 243 » . الصورة الثانية : قال ابن خلدون : بلغنا عن الترك لهذا العهد ، وقتالهم مناضلة بالسهام ، أن تعبئة حربهم بالمصاف ، يقسمون العساكر ثلاثة صفوف ، صفا وراء صف ، يترجلون عن خيولهم ويفرغون سهامهم بين أيديهم ، ثم يتناضلون جلوسا ، وكل صف ردءا للذي أمامه ، مخافة أن يكسبهم العدو إلى أن يتهيأ النصر لاحدى الطائفتين على الأخرى . قال : « وهي تعبية محكمة غريبة » « 244 » .

--> ( 242 ) « مقدمة » ج 2 ص 825 - 826 . ( 243 ) يأخذ من الطرطوشي « سراج » ص 179 . ( 244 ) « مقدمة » ج 2 ص 829 .